1. تخطي إلى المحتوى
  2. تخطي إلى القائمة الرئيسية
  3. تخطي إلى المزيد من صفحات DW

المقرر الأممي لقضايا التعذيب: "تآكل عالمي لحقوق الانسان"

٢٦ يونيو ٢٠٢٠

التعذيب كان ولا يزال وسيلة الأنظمة القمعية لبسط سلطتها، المقلق أن دولا توصف بـ"دولة القانون" تشهد تراجعا حقوقيا لافتا، وفق تصريحات المقرر الأممي المعني بقضايا التعذيب والممارسات اللاإنسانية في حوار مع DW.

https://p.dw.com/p/3eKxz
Syrien Folter Mißbrauch Symbolbild MIT BEDACHT VERWENDEN
صورة من: JAMES LAWLER DUGGAN/AFP/GettyImages

DW: السيد ميلتسر، قبل أربع سنوات توليتم منصب المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة اللاإنسانية. كيف تتابعون التطورات الحاصلة بهذا الخصوص، وما هي الأشياء التي  تزيد من قلقكم؟


*نيلس ميلتسر: ما يقلقني أكثر هو التآكل العالمي لحقوق الانسان على المستوى العالمي. وهذا يسري على جميع المناطق، بدء من الصين وما يحدث بهونغ كونغ ومع الإيغور، مرورا بروسيا ووصولا إلى عنف الشرطة بالولايات المتحدة الأمريكية وهجماتها الأخيرة (الإدارة الأمريكية) على المحكمة الجنائية الدولية. كذلك من سوريا إلى البرازيل هناك تراجع حاد لحقوق الإنسان، ويمكننا إصدار قائمة طويلة بهذا الخصوص. هذا الوضع يقلقني جدا، لأنه يزعزع أسس النظام العالمي المعاصر.

بمناسبة حديثكم عن سوريا، انطلقت منذ نحو شهرين أطوار محاكمة سوريين في مدينة كوبلنس الألمانية، متهمين بتنفيذ جرائم ضد الإنسانية، عبر الاشتباه في تورطهما في عمليات التعذيب في سوريا. فما هي الإشارات التي تحملها مثل هذه المحاكات وهل تصل هذه الإشارات أصلا؟ 

من الأهمية بما كان أن توجد هذه المحاكمة.سوريا لديها نظام تعذيب ممنهج. أنا شخصيا، حينت كنت أعمل في المنطقة قبل 20 عاما، رافقت معتقلين غادروا السجون السورية، وكانت صدمتي حينها رهيبة. والتقارير ازدادت فقط سوءا. 
من المهم جدا فضح هذا النظام الفظيع ـ بغض النظر عن مدى تورط أو براءة أشخاص بعينهم- أنّ نظام الأسد نظام قمعي ووحشي، مسألة لا جدال فيها ويجب أن تطرح للرأي العام. 

المقرر الخاص للأمم المتحدة عن التعذيب، نيلس ميلتسر
المقرر الأممي المعني بقضايا التعذيب والممارسات اللاإنسانية، نيلس ميلتسرصورة من: picture alliance/KEYSTONE/S. Di Nolfi

هناك إشارات أخرى، مثل تهديد الولايات المتحدة بملاحقة موظفين تابعين للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي في حال فتحوا تحقيقات ضد جنود أمريكيين. ومرسوم من هذا النوع وقع عليه الرئيس الأمريكي ترامب قبل أسبوعين. ما هي الإشارة التي تنبعث إذن من هنا؟


إنها إشارة كارثية بطبيعة الحال، لأن الولايات المتحدة الأمريكية البلد الأكثر تأثيراً في العالم من منظور اقتصادي وسياسي وعسكري. وهو البلد الذي دفع بعد الحرب العالمية الثانية إلى محاكمات نورنبيرغ ومحاكمات طوكيو. الولايات المتحدة كانت رائدة في مجال قانون الحرب والقانون الجنائي الدولي. وإذا لم تعد هذه البلاد بعينها مستعدة لتحمل مسؤولية ملاحقة متورطين في جرائم حرب، هناك أدلة دامغة على وقوعها، فهذا يعني أننا أصبحنا أمام معضلة كبيرة. وهذا نراه عبر رفض الولايات المتحدة لملاحقة عمليات التعذيب الممنهجة التي يقوم بها جهاز سي آي آي، رغم أن مجلس الشيوخ نفسه أكد وقوعها. كما أننا نرى ذلك في رفض ملاحقة جرائم حرب أمريكية عبر مؤسسات دولية. وهذا له تأثير نموذجي سيء: فإسرائيل أو حتى بريطانيا (على سبيل المثال) ـ وهما حلفاء تقليديين للولايات المتحدة ـ تحركا فورا في ذات الاتجاه بسعيهما إلى حماية عناصر جيوشهما من الملاحقة.


بحديثنا عن جرائم حرب الولايات المتحدة، نصل وبسرعة إلى موضوع موقع ويكليكس ومؤسسه جوليان أسانج. لقد مرت بالتحديد عشر سنوات على قيام موقع ويليكس بنشر فيديو Collateral Murder. وهو تسجيل مصور يبيّن كيف تمّ إطلاق النار من على طائرة هليكوبتر أمريكية على مدنيين عزل في بغداد، بينهم صحفيان من وكالة رويترز. لم يواجه الجناة والقناصة ورؤسائهم أي عواقب، أما بالنسبة لجوليان أسانج فالأمر مختلف تماما. ماذا يعني هذا؟

علينا أولا التفكير في شرعية أي دولة لا تقوم بملاحقة مجرمي الحرب من مواطنيها. وذلك رغم أن جرائم الحرب هذه وثقت في فيديو مسجل، إذ أننا رأينا في هذا الفيديو جرحى تغطى وجوههم، وسمعنا جنودا يتحدثون كيف أنهم يطلقون الرصاص على جرحى عن وعي. إذاً نحن أمام جريمة حرب بلا شك!
 وإذا كان لدينا فيلم مسجل عن جريمة حرب بينما ترفض الدول ملاحقة الجناة، لكنها تفرض عقوبات قاسية على أولائك الذين يكشفون للعلن عن هذه الجرائم، فإننا أمام مشكلة جوهرية، تدفعنا إلى التساءل عمّا إذا كنّا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية أمام دولة قانون؟!

 

بشأن دولة القانون: منذ فبراير تنظر محكمة لندن في طلب تسليم جوليان أسانج. هل يتم في هذه المحاكمة احترام المعايير القانونية التي لطالما كنّا دوما فخورين بها؟

لا،للأسف إطلاقاً. وهذا الأمر سبب لي في صدمة كبيرة، لأنني أنا نفسي أستاذ في جامعة بريطانية في غلاسغو وكنت أحترم نظام العدالة البريطاني بقوة. لكن في قضية جوليان أسانج تمّ إلغاء دولة القانون هذه: أسانج لم تكن له أية إمكانية لإعداد دفاعه بالشكل السليم. وهي حقوق بديهية منحت حتى لأخطر مجرمي الحرب في كوبلنس أو في لاهاي على سبيل المثال.لكنها لم تعطى لأسانج: فهو لا يتوفر على حق التواصل مع محاميه الأمريكيين، وله اتصال مقيّد مع محاميه البريطانيين وليس له تقريبا أي منفد لوثائق قانونية. وهذا خرق كبير للمحاكمة، لا يمكن ولا يقبل تبريره تحت أي ذريعة. 

تحدثت في حالة أسانج عن التعذيب أيضا. أين هي مظاهر هذا التعذيب؟

بالطبع لا يمكنك مقارنة معتقل سوري مع سجين بريطاني. يجب قول هذا بوضوح. التعذيب هو  مصطلح واسع لا يرتبط فقط بوسائل التعذيب الجسدية، بل يتضمن أيضا التعذيب النفسي. ولاحظنا لدى جوليان أسانج مع أطباء مختصين جميع العوارض الناتجة عن التعذيب النفسي الطويل الأمد. وهذا مزيج بين العزل والتهديد القوي. ولا يحق لنا أن ننسى أن سياسيين أمريكيين هددوه بالقتل. وأسانج يخشى أيضا ظروف الاعتقال في المؤسسات الأمريكية. فتلك السجون العالية الحراسة معروفة عالميا بأنها غير انسانية.

تحدثتو للتو  أن أسوء ما يمكن أن يحصل لجوليان أسانج لا يمكن مقارنته مثلا بقبو تعذيب سوري. لماذا تدافعون إذا عنه مادام أن هناك من يتعرض لأشياء أفضع مما تعرض لها الأخير في الكثير من المناطق حول العالم؟

أعمل جاهدا بالطبع من أجل مئات ضحايا التعذيب، وأعمل أيضا من أجل جوليان أسانج. قضية أسانج لا تتعلق بشخصه فحسب، وإنما لها صلة بمطارديه الذين ألغوا المؤسسات القانونية ورفضوا تقديم مجرمي الحرب والجلادين إلى المحاكمة. والخطر الأكبر هو أن يحاكم الصحفيون  كجواسيس إذا ما نشروا أدلة على جرائم حرب. وهكذا نقوي نظاما لا تكون فيه الدول مجبرة على ملاحقة الجناة والحفاظ على سرية الجرائم. في هذه الحالة ما هي إلا خطوة صغيرة للمرور من دولة القانون إلى دولة الطغيان.


*نيلس ميلتسر: رجل قانون سويسري متخصص في القانون الدولي. عيّن في عام 2016 كمقرر خاص للأمم  المتحدة المعني بالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة اللاإنسانية. قبل ذلك عمل لمدة 12 عاما في اللجنة الدولية للصليب الأحمر في العديد من مناطق الأزمات في العالم.
 

أجرى المقابلة ماتياس فون هاين

 

تخطي إلى الجزء التالي اكتشاف المزيد