بين الأمومة والتحكيم.. توري بينسو تكتب التاريخ
١٣ يونيو ٢٠٢٦
تشير بعض الدراسات إلى أن الرجال قد يتقبلون الملاحظات والتوجيهات الصادرة عن النساء بدرجة أكبر في بعض المواقف. ولكن ماعلاقة ذلك بعالم كرة القدم؟ الحقيقة أن اللعبة الأكثر شعبية في العالم لا تنفصل عن هذه الظواهر الاجتماعية.
فكرة القدم من الرياضات الاحتكاكية التي تشهد في كثير من الأحيان مستويات عالية من التوتر والانفعال، وقد تصل أجواؤها أحياناً إلى حدود الفوضى داخل المستطيل الأخضر. ومن هنا برزت أهمية وجود الحكم القادر على فرض النظام وإدارة المباراة بحزم وعدالة، كما فُتحت الأبواب أمام المرأة لإثبات قدرتها على أداء هذا الدور في أعلى المستويات.
وانتظر العالم حتى نهائيات كأس العالم في قطر عام 2022 ليشهد لحظة تاريخية، عندما أصبحت الفرنسية ستيفاني فرابار أول امرأة تدير مباراة للرجال في المونديال، خلال مواجهة ألمانيا وكوستاريكا. ومنذ ذلك اليوم، تواصلت خطوات المرأة في عالم التحكيم الكروي، وصولاً إلى مونديال 2026 الذي يشهد حضوراً متزايداً للحكمات، بحسب ما أشارت شبكة سي ان ان الأمريكية.
وفي هذا السياق، تظهر قصة ملهمة لحكمة أمريكية صنعت تاريخها الخاص بصافرتها. إنها توري بينسو، التي تحدت التشكيك والصعوبات في بداياتها لتصبح واحدة من أبرز الحكمات على الساحة العالمية.
البدايات الصعبة تصنع البطلات
لم يكن طريق توري بينسو إلى القمة مفروشاً بالورود. فقد بدأت مسيرتها التحكيمية وهي في الرابعة عشرة من عمرها، عندما اقترحت عليها والدتها إدارة المباريات المحلية لكسب بعض المال.
لكن التجربة لم تكن سهلة، إذ تعرضت في إحدى المباريات وهي مراهقة لموقف صادم عندما طاردها ثلاثة رجال غاضبون بسبب قراراتها التحكيمية، ما اضطرها إلى الركض نحو سيارتها والفرار منهم قبل أن تنهار باكية.
في تلك اللحظة فكرت بينسو جدياً في ترك التحكيم، إلا أن أحد المقربين منها أقنعها بالعودة إلى الملاعب وعدم الاستسلام. وكان ذلك القرار نقطة التحول الأولى في حياتها، وواصلت تطوير نفسها الى أن أصبحت واحدة من أبرز الحكمات في الولايات المتحدة.
ولأن النجاح يتطلب التضحيات وفي خطوة جريئة، قررت توري بينسو التخلي عن وظيفتها المستقرة في مجال التسويق الرقمي والتفرغ للتحكيم بشكل كامل. مغامرة أثمرت نجاحات متتالية، لتصبح أول حكمة متفرغة في تاريخ الدوري الأمريكي لكرة القدم (MLS)، وهو ما فتح أمامها أبواب المنافسات العالمية.
صناعة التاريخ وكسر الحواجز في عالم التحكيم
تمثل مسيرة توري بينسو نموذجاً لكسر الصور النمطية المرتبطة بالمرأة في الرياضة. فمنذ عام 2013 أدارت مباريات في الدوري الأميركي للمحترفين والدوري الوطني للسيدات.
وجاءت اللحظة الأبرز في مسيرتها عام 2023 عندما اختارها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لإدارة نهائي كأس العالم للسيدات بين إنجلترا وإسبانيا، لتصبح أول حكمة أمريكية تحظى بهذا الشرف. كما قادت طاقماً تحكيمياً نسائياً بالكامل في واحدة من أهم مباريات البطولة، في إنجاز تاريخي غير مسبوق للتحكيم الأمريكي.
ولم تتوقف الإنجازات عند هذا الحد، لتصل بينسو الى كأس العالم 2026 بعد أن اختارها (فيفا) ضمن حكام المونديال، لتصبح على أعتاب إنجاز جديد يتمثل في أن تكون أول أمريكية تتولى إدارة مباراة للرجال كحكمة ساحة في نهائيات كأس العالم. في امتداد للمسار الذي بدأته الفرنسية ستيفاني فرابار عندما أصبحت أول امرأة تدير مباراة للرجال في مونديال قطر 2022، بحسب صحيفة "يو اس ايه توداي".
رسالة إلهام للأجيال الجديدة
خلال حوارات سابقة أجرتها قالت بينسو أنها تؤمن بأن النجاح لا يأتي من فراغ، بل هو نتيجة عمل متواصل وتضحية وتدريب مستمر. فهي تتدرب بدنياً كما يفعل اللاعبون المحترفون، وتخوض ساعات طويلة من السفر والعمل للحفاظ على مستواها في أعلى درجات الجاهزية.
من جهة أخرى أثبت نموذج بينسو أن الأمومة يجب النظر اليها كعامل إيجابي في تطوير شخصية الحكمة، فهي تمنحها مزيداً من التعاطف والقدرة على إدارة المواقف الصعبة داخل الملعب. الجدير بالذكر أن بينسو أم لثلاث بنات، وقد أكدت دائماً في لقاءاتها الصحفية السابقة أن نجاحها لا يخصها وحدها، بل يمثل رسالة لكل فتاة تحلم بدخول مجالات كانت حكراً على الرجال.
وتقول بينسو إن هدفها النهائي ليس فقط تحقيق الإنجازات الشخصية، بل المساهمة في جعل وجود المرأة في إدارة مباريات الرجال أمراً طبيعياً لا يثير الانتباه. فبرأيها، عندما تحصل النساء على الفرصة فإنهن يثبتن جدارتهن وقدرتهن على النجاح في أعلى المستويات.
تحرير: عماد حسن