"من أراد أن يموت فليأتِ إلى مارتيل"!
٢٩ يونيو ٢٠٢٦
نادرا ما تكون المقبرة سببا للإعجاب، لكن في مدينة مارتيل شمال المغرب يحدث ذلك يوميا. فبمجرد عبور مدخل مقبرة المدينة الرئيسي، يجد الزائر نفسه أمام فضاء يختلف عن الصورة التقليدية للمقابر المغربية، قبور متشابهة، شكلها هندسي موحد، لونها أبيض ناصع، ممرات بين القبور لتفادي الدوس عليها، أشجار متراصة تحيط بممرها الرئيسي، في مشهد أقرب إلى حديقة هادئة منه إلى مقبرة.
أجمل مقبرة في المغرب
"من أراد أن يموت فليأتِ إلى مارتين"، هكذا يصرح عبد السلام الدكوج، أحد سكان مدينة مارتيل الساحلية نواحي تطوان، أو كما يطلق عليها سكانها الأصليون "مارتين"، تعبيرا عن إعجابه وانبهاره بنظافة وتنظيم مقبرة المدينة، حيث يرقد والداه اللذان يزورهما بشكل شبه يومي.
يحمل عبد السلام نبتة ريحان ليضعها على قبر والده، ثم يفتح قنينة ماء ويرشها على القبر قبل أن يقول: "هذه مقبرة نموذجية ومحترمة، نظيفة ومنظمة، تختلف عن أغلب مقابر المغرب المهملة التي أصبحت مرتعاً للسكارى ومرعى للبهائم والكلاب الضالة". ويضيف بفخر "إنها أحسن مقبرة في المغرب".
ويتابع: "توفي والدي سنة 2021، ووالدتي سنة 2004، وأزورهما يومياً. عندما آتي إلى هنا أحس بالراحة. إنها زيارة تشبه ما يقوم به أي شخص يزور والديه صباحا أو مساء وهما على قيد الحياة. في حالتي حافظت على الروتين نفسه رغم وجود رفاتهما هنا، لأنني أرتاح برفقتهما، وإن لم أزرهما أحس بالنقص".
ويسترسل قائلاً: "راحتي مع الموتى أحسن من الأحياء، فالميت لن ينفعك ولن يضرك، خلافا للحي الذي قد يضرك بكلمة واحدة فقط، فتغير مزاجك سلبيا".
المساواة في الموت
بدأت فكرة المقبرة الحديثة سنة 2010 بمبادرة من محمد العربي لمرابط، رئيس جمعية المحافظة على المقابر الإسلامية بمارتيل، وهي الجهة المشرفة عليها. وتنقسم إلى شطرين؛ مقبرة قديمة توقفت فيها عمليات الدفن بعد امتلائها، وأخرى حديثة بدأ العمل بها سنة 2010. وتضم هذه الأخيرة فضاءات مخصصة للكبار، وأخرى للصناديق الجنائزية القادمة من الخارج أو من أقاليم أخرى، إضافة إلى فضاء خاص بالأطفال.
ويقول حميد بليزيد الكتاني، المسؤول عن المقبرة: "بدأنا بالقبر الأول، ثم توسعت المقبرة تدريجيا إلى أن أصبحت تضم ما يفوق 7000 قبر". ويضم كل صف قبرين متجاورين متناسقين يوحدهما اللون الأبيض. كما تتوفر المقبرة على مسجد ومصلى للجنائز ومرافق صحية، يسهر على خدمتها عمال تؤدي الجمعية أجورهم.
ويشرح حميد فلسفة هذا التنظيم قائلا: "لا يسمح لعائلة الهالك بالتصرف في شكل القبر أو تزيينه كما تشاء. الجميع ملزمون بالنمط نفسه. الزليج الأبيض هو المعتمد، وكل ما يمكن إضافته من الخارج هو ”الشواهد" وهي اللافتات التي تتضمن معلومات عن المتوفى. لو تركنا لكل شخص حرية البناء والتزيين لتحولت المقبرة إلى فوضى. الهدف هو توحيد النمط وترسيخ المساواة بين الجميع". ويضيف مشيرا بيده نحو المقابر "الآن أصبحت المقبرة مريحة للعين وهادئة".
ويتابع: "ما يميز هذه المقبرة عن غيرها، إضافة إلى النظام والنظافة والترتيب، أنها مجانية تقريبا. يكفي أداء مبلغ 30 درهما (3 يورو)، للبلدية والحصول على رخصة الدفن، ثم نتكفل نحن بباقي الإجراءات. كما تكون القبور مجهزة مسبقا لتسهيل عملية الدفن وتخفيف تفاصيلها على العائلات التي تعيش لحظات صعبة بفقدان أحبائها".
التنظيم يبعث الطمأنينة لدى الزوار
يقول عبد السلام الميموني، أحد الفقهاء الذين يتواجدون بالمقبرة لقراءة القرآن خلال زيارات العائلات: "تأتي العائلات بموتاها إلى هنا، فنقوم بدفنهم وإرشاد ذويهم إلى أماكن القبور، ونقرأ ما تيسر من القرآن الكريم".
ويضيف: "نقوم بهذا العمل منذ عشرين سنة، ولا نتقاضى مقابلا ثابتا سوى ما يجود به المحسنون. كل شيء هنا منظم، وعلاقتنا مع بعضنا البعض ومع عمال المقبرة وإدارتها جيدة جدا، وكأننا أسرة واحدة تسهر على راحة الزوار ونظافة المكان".
ويؤكد أن التنظيم ينعكس مباشرة على الحالة النفسية للزوار قائلا: "العائلات تشعر براحة كبيرة عندما تدخل هذه المقبرة المنظمة، وتطمئن على قبور أحبائها بعيدا عن الأوساخ أو انجرافات التربة أو الحيوانات التي تتجول عادة في بعض المقابر في غياب المراقبة. هنا يشعر الناس بالسكينة، ونقرأ على موتاهم وندعو لهم بالمغفرة، فيغادرون وهم أكثر اطمئنانا وراحة".
هل يمنع الإسلام تنظيم المقابر؟
لا يقتصر تميز مقبرة مارتيل على شكلها وتنظيمها فقط، بل يطرح أيضا سؤالا أوسع حول أسباب الوضع الذي تعيشه العديد من المقابر المغربية، حيث يغلب الإهمال وضعف الصيانة على كثير منها.
ويرى الباحث في الفكر الإسلامي محمد عبد الوهاب رفيقي أن جزءا من أسباب إهمال المقابر يعود إلى بعض القراءات الفقهية التقليدية. ويقول: " كانت بعض هذه القراءات تتخوف من أن تتحول القبور إلى مجال للتفاخر والتمييز بين الأموات الأغنياء والفقراء، لذلك كان الحرص كبيرا على تحقيق المساواة داخل المقبرة".
ويضيف: "كان هناك أيضا تخوف من تحويل القبور إلى مزارات أو نشوء اعتقادات مرتبطة بها بدعوى حماية التوحيد ومحاربة الشرك. وهذه القراءة التي تبنتها بعض التيارات السلفية والوهابية وصدرتها إلى عدد من الدول الإسلامية ليست السبب الوحيد، لكنها من الأسباب التي ساهمت في ضعف العناية بالمقابر".
ويرى رفيقي أن ذلك ساهم في ترسيخ ثقافة تعتبر المقبرة فضاء مهمشا ومهجورا، يقتصر دوره على التذكر والاعتبار والتفكر في مصير الإنسان بعد الموت. في المقابل، يشدد على أنه "لا يوجد في الإسلام إطلاقا ما يمنع أن تكون المقبرة نظيفة ومنظمة وجميلة".
ويفسر موقفه قائلا: "حفظ كرامة الميت يقتضي العناية بقبره. فكما نكرمه بالغسل والجنازة، فمن الكرامة أيضا أن يكون قبره نظيفا ومحاطا بالعناية. ولا يوجد في النصوص الدينية ما يمنع وجود ممرات داخل المقبرة أو أسوار تحميها أو لجان تسهر على صيانتها بشكل دائم. وأن يكون منظرها جميلا لزائريها".